الدين القيم الدين القيم is on Facebook. To connect with الدين القيم, log into Facebook.

الدين القيم الدين القيم (Mahmoud Abdulaziz Joudah)
Photos
About الدين القيم
السيرة الذاتية لسماحة السيد/ محمود عبد العزيز يوسف جودة حفظه الله
وكتبها ابنه البار/ أبو جعفر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد .
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}
عندما نجد أصحاب الرأي والمكانة وذوي العلم , يتحدثون ويصفون ثمرة عصرهم وفلتة تاريخهم نجد هناك شيئًا جديدًا لا بد من الإطلاع عليه وذكر سيرته والتعريف به، من هذا محطة نهل العلم الديني والثقافي والأخلاقي والسياسي والأدبي الذي صنع جسرًا متينا محكمًا يسير بالناس إلى نزع الجاهلية والفرقة وزرع التوحيد والإنسانية، الذي يصل بهم إلى طريق مرضاة رب العباد الذي يتشوق كل طالب علم وكل عالم وكل إنسان النظر في حياة هذا العالم طبيب القلوب وحبيب كل روح.
هذا هو العالم الجليل سماحة السيد محمود بن عبد العزيز الذي ينتمي إلى العائلة العريقة المعروف عنها صاحبة علم وأدب وأخلاق وكرم وجود وعفو عن الظالمين، عائلة جودة التي ينتهي نسبها إلى آل بيت النبي الأطهار عليهم أزكى صلاة وسلام، هذه العائلة منتسبة إلى جدها جودة الذي قطن هو وأبناؤه وعقبه بلدة اسدود على الساحل الفلسطيني حتى هجروا منها عام 1948م إلى قطاع غزة وبلدان مختلفة ، وجودة ينتسب إلى آل هارون الذين يقطنون اللاذقية وقلعة المرقب بسورية ، وهذا الانتساب على النحو الذي سنذكره ثابت من قبل آل هارون بسورية وآل جودة بفلسطين ،وبذلك نقول إن انتساب جودة إلى آل هارون ثابت على النحو التالي : فهو جودة بن محمد بن علي بن سليمان بن علي بن مصطفى بن خورشيد بن عثمان بن عبد الرحمن بن هارون .
وآل هارون هم جزء من آل با هارون المنتسبين إلى آل الحسين بن الإمام علي رضي الله تعالى عنه، وتوثيق ذلك مذكور في كتابي المعجم اللطيف لأسباب الألقاب والكنى في النسب الشريف لقبائل وبطون السادة بني علوي . تأليف السيد محمد بن أحمد بن عمر الشاطري ، وكتاب شمس الظهيرة في نسب أهل البيت من بني علوي. تأليف السيد الشريف عبد الرحمن بن محمد بن حسين المشهور. تحقيق محمد ضياء شهاب .وانتساب هارون الذي هو جد آل با هارون إلى آل الحسين ثابت على النحو التالي فهو هارون بن حسن بن علي بن محمد جمل الليل بن حسن المعلم بن محمد أسد الله بن حسن الترابي بن علي بن محمد (الفقيه المقدم) بن علي بن محمد (صاحب مرباط) بن علي (خالع قسم) بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد (المهاجر) بن عيسى (النقيب) بن محمد بن علي (العريضي) بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وبذلك يكون اسم السيد محمود وإلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله ثابت على النحو التالي: السيد/ محمود بن عبد العزيز بن يوسف بن عبد الرحيم بن يوسف بن عبد الرحمن بن محمد بن جودة بن محمد بن علي بن سليمان بن علي بن مصطفى بن خورشيد بن عثمان بن عبد الرحمن بن هارون بن حسن بن علي بن محمد جمل الليل بن حسن المعلم بن محمد أسد الله بن حسن الترابي بن علي بن محمد الفقيه المقدم بن علي بن محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر بن عيسى النقيب بن محمد بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي وابن فاطمة الزهراء ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولد سماحة السيد العالم العظيم محمود عبد العزيز جودة (حفظه الله ) في مدينة رفح في مخيم اسدود بتاريخ 1379هـ 1960 م والده السيد الحاج عبد العزيز جودة ذو منزلة رفيعة ومكانة عظيمة في مجتمعه صاحب أدب ودين زاهد في الدنيا ، وجده كان صاحب أدب وأخلاق عاشه حياته في الابتلاء الدائم من الله حيث أنه فقد أولاده وبناته وزوجته وفقد نعمة البصر وتزوج بعد ذلك من ابنة عمه أيضا عاشت مثله فقدت أولادها وزوجها، فتزوجا وأنجبا والد السيد محمود جودة (دامت بركاته) وعاش والده يتيما وتربى في حضن أمه حتى كبر وتزوج ابنة عمه العفيفة الطاهرة الكريمة (رحمها الله) الذي كان والدها متدينا وكبيرًا في عائلته وصاحب رأي ومشورة، فأنجبا الأولاد أصحاب المكان العالي وذوي علم ومكانة كبيرة ومن ثم أنجب سماحة السيد محمود جودة .
دراسته ونشأته:
نشأ سماحة السيد في بيت متدين محافظ تعلم الكتابة والقراءة في مدارس الوكالة التي كانت موجودة في ذلك الوقت في مدينة رفح و كان موضع إعجاب أساتذته وزملائه في الدراسة لشدة ذكائه ونبوغه وفطنته, وكان مهتما بالدراسة، ولم يقتصر في صغر سنه على دراسة المدرسة بل كان يذهب إلى المسجد حتى يحفظ القرآن ويتعلم التجويد حتى أن بلغ التاسعة من العمر فبدأ يقلد الخطيب ويقلد رجال الدين حتى كانت لديه رغبة تعلم الدين ليكون معلمًا راشدًا مظهرًا للدين، فقذف الله في قلبه وهداه إلى تعلم الدين فكان متفوقًا في دراسته والأول على مدرسته حتى أن وصل الثانوية العامة فبدأ يخطب في المساجد ويتعلم هو وبعض أصدقائه إلى أن وفقه الله وجعله يمتلك فن الخطابة فبدأ يخطب في الناس وبدأ الناس يستمعون إليه ويتعلمون منه مع صغر سنه لكن كان الجميع يشهد له بذكائه وحفظه وتعلمه لدين الله تعالى مع أنه في ذلك الوقت لم يكن التعلم تعلمًا بالشكل المطلوب كون الواقع الذي يعيش فيه كان قد انتشر فيه الجهل والفساد، وكانت ممارسة التجهيل قد أخذت مأخذها في بلده لوجود الاحتلال الإسرائيلي، وقبل انتهائه من دراسة الثانوية العامة رأى في منامه أن ملك الموت يقبض روحه، فلما وصل بها الحلقوم قال له السيد اتركني حتى أكتب كتابًا، أنا لا أريد أن أموت قبل أن أكتب كتابًا، فاستيقظ من النوم، ومن تلك اللحظة نمت عنده موهبة الدراسة أكثر والكتابة وحتى وصل إلى الدراسة الجامعية .
دراسته الجامعية ورحلته العلمية:
بعد أن من الله سبحانه وتعالى على سماحة السيد وجعل علاقته منذ الطفولة ونشأته دينية قرر أن يبدأ عملية الدراسة الدينية على يد الشيوخ الذين كان يتصور له بأنهم هم حملة الدين وأن لديهم العلم القويم ولديهم القدرة على نشر الدين هم مشايخ الحجاز فذهب إلى مكة ليتعلم الدين في جامعة أم القرى، فحينما رأى الدراسة الجامعية بهذا الشكل الذي لم يكن يتصوره وخلاف ما تخيله وسمع عنه، وجده واقعًا مريرًا ليس علميًّا وإنما فقط لمنح الشهادات من غير حرص على الدين وتعليمه، فكر في ترك الجامعة فلم يتمكن من ذلك فأكمل الدراسة الجامعية ولكن لم يعتمد على دراستها ومن شواهد ذلك أنه كان يقرأ المقررات الجامعية فقط ليلة الامتحان ومع ذلك كان الأول على دفعته ،وكان غير معتمد على دراسة الجامعة فبدأ بالدراسة الفردية والتعلم بعد أن ذهب ليبحث عمن يأخذ بيده ويعلمه فلم يجد من يحقق له رغبته ولكن بفضل الله ومنه عليه أراد له أن يكمل له رحلته التي أخلص لله فيها ففتح الله عليه وأنار طريقه وألهمه التعلم الصحيح السليم حتى ادخر كل مجهوده في تعلم الدين, وقد ألهمه الله قرار امتلاك أدوات الفهم التي توصله لفهم الدين فبدأ بدارسة اللغة نحوًا وصرفًا وبلاغة، ثم بأصول الفقه والحديث، ليصحح معتقده أولًا ثم ليشرع في فهم الدين بشكل كامل وسليم، ثم بدأ مرحلة البحث والكتابة فكتب أول كتاب له المسمى ب(المعالم) وهو طالب جامعي وقد خصصه لبيان التوحيد والعقيدة السليمة التي غيبت عن كثير من الناس, وكذلك لتوصيف الواقع الجاهلي الذي يعيشه الناس منذ سنوات طوال حتى يتمكنوا من التخلية والتحلية بشكل صحيح مقبول عند الله تعالى، ولقد كان تواقًا في ذلك الوقت إلى دراسة المذاهب الإسلامية الأخرى وعلى رأسها مذهب الإمامية الإثنا عشرية حتى يتمكن من الوصول إلى الحق بشكل لا يعتريه الشك والريب ومن ثم يتوجه إلى الناس بدعوتهم إليه وتقديمه لهم في أحسن لباس، ولكنه ولحكمة يعملها الله تعالى لم يتمكن من ذلك لعدم توفر الوسائل والكتب، ومن محاولاته في ذلك قيامه بعد أن أكمل دراسته في مكة بزيارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية حتى يطلع ويبحث ويكتب و قد هيأ نفسه لهذه الدراسة ولكنه لحكمة يعلمها الله قرر زيارة والديه ثم العودة ليكمل مشواره العلمي الكبير، وكان وهو في طريق زيارته ما كان فقد اعتقلته السلطات المصرية بعد أن نزل في مطار القاهرة بسبب زيارته لإيران وكذلك بسبب إلقائه خطبتين في السنة التي سبقت تخرجه حينما زار أهله وبيانه فيهما حال الناس وبعدهم عن الحق وموالاتهم الظالمين وأعوانهم، وبعد فترة من الاعتقال والتعذيب الذي يعاني من آثاره وآلامه الكثير وحتى هذه اللحظة أبعدته تلك السلطات إلى جزيرة مالطا ليعود بعدها إلى غزة المحتلة لتمنعه السلطات الإسرائيلية من السفر وكذلك السلطات المصرية من دخول مصر فمكث في الحجر والمنع من الخروج من غزة ثلاثين سنة حتى لا يتمكن من إكمال مشواره وكذلك حتى لا يسمع به أحد أو يعرفه أحد، لماذا لأنه يحمل فكرًا يوصل إلى الحق إلى توحيد الدين والأمة الإسلامية.
زواجه:
تزوج سماحة السيد من امرأة متدينة ومن بيت معروف بأدبه وأخلاقه وتدينه وبعد أن تزوجها عاد إلى دراسته ومعه زوجته لتبدأ دراستها الشرعية في جامعة أم القرى، ومن ثم رزقه الله تعالى تسعة أشبال وإحدى عشرة زهرة ، ورزقه الله أربعة عشر سبطًا وحفيدين.
وبعد أن انتهى من دراسته الجامعية هو وزوجته أراد الرجوع إلى أرضه ليزور أهله والرجوع لزيارة الدول الأخرى حيث أنه يبحث عن كتب وشيوخ ليتعرف على المذاهب والفرق الإسلامية أكثر حتى يشرع في صياغة وتنفيذ مشروعه التوفيقي الوحدوي.
وصوله إلى غزة.
بعد أن وصل سماحة السيد إلى بلده وجد الترحاب والحب له ووجد عشيرة شعبًا وقومًا يكنون له كل احترام، فبدأ سماحته بممارسة دعوته إلى الحق والصدع به من خلال الخطابة في أكبر مسجد في مدينته (رفح)، (مسجد العودة)، والكتابة واللقاءات المتواصلة والمحاضرات والندوات العلمية وغير ذلك متحديًا كل الضغوطات التي مورست عليه من كل الأجهزة الأمنية المتعاقبة على قطاع غزة، وصابرًا على كل إيذاءاتها من سجن وضرب وتعذيب وتكسير عظام ومحاولات اغتيال وسلب أموال ومحاربة في الرزق ومنع من السفر والتحرك وغير ذلك. فكان حقيقة الرجل الشجاع الصلب الصبور الحليم الثابت الراسخ الذي لا يتزعزع ولا ينثني أمام كل التحديات والفتن كالجبل الأشم، المجسد بسلوكه هذا سيرة آبائه وأجداده أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الذين عاشوا لهذا الدين وأحياه الله بهم.
عمله الدعوي:
عاش سماحة السيد في غزة تحت الاحتلال الصهيوني الغاشم الذي لا يحب الإسلام و أهله، هذا الاحتلال لما أيقن أن هذا السيد وهذا الشيخ ذو علم ومكانة وأنه ضد الظلم والجور وضد العنف والفرقة وأنه صاحب مشروع كشف الظالمين ومخططاتهم والعمل على توعية الناس وتثقيفهم وزرع الإيمان بالله وتوحيده في نفوسهم، شرع في التضييق عليه ومحاربته بمنعه من دخول المساجد والحديث فيها تارة، وبضربه وتكسيره على مرأى ومسمع من الناس أخرى، وبسجنه بدون محاكمة ثالثة، وبمنعه من السفر رابعة، وبتحريض العملاء عليه ليؤذوه أو يقتلوه خامسة، وبالتضييق عليه في الرزق سادسة، ....وهكذا، ولكن رغم هذه المضايقات وهذه الإيذاءات والعذابات لم يلتزم بكلامهم ولابأوامرهم وتهديداتهم وعقوباتهم ولم تثنه كل هذه التفاهات عن خطه ومسيرته التي بدأها عازمًا على الثبات عليها وعدم تركها إلا بمفارقة روحه جسده بإذن الله تعالى، ورغم قسوة الظروف المحيطة به فقد واصل مسيرة التعلم والبحث ليمتلك أدوات الاجتهاد إلى أن منَّ الله سبحانه عليه بها وقد كتب فيها وأبدع ما جعل كل مطلع على كتاباته هذه يلمس بصماته وإبداعاته فيها، ثم إنه أسس (جماعة المسلمين) التي تميزت عن غيرها من الجماعات بأشياء من أهمها: موقفها الواضح الصريح من طواغيت الأرض وأوليائهم، وبيانها الواضح للعقيدة الإسلامية عقيدة التوحيد، واهتمامها بالدليل وإنصاف صاحبه حتى لو كان من المخالفين. فبدأ الناس يلتفون حوله وبرز فيهم وصار شيخهم وأصبح مرجعًا يرجع إليه الناس في أمورهم الدينية ولكن الاحتلال لم يتركه فبدأ يضيق عليه حتى إنه أرسل أعوانه وحرض المجتمع عليه فهدموا له بيته وحرقوا مكتبته التي كانت تحوي عددًا كبيرًا من الكتب الإسلامية والثقافية وغيرها، ولم يتوقف الاحتلال حتى سجنه وعذبه وكسر عظامه مرات عديدة، ونجح الاحتلال من خلال أعوانه الكثر في تحريض الناس عليه وصد الكثير منهم عن سماحته وتجنيدهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون لمعاداته، فقرر سماحة السيد إلى أن يعمل قرية صغيرة له ولأتباعه ومحبيه، ومدرسة يعلم فيها المنهج الصحيح ولكن الاحتلال لم يقبل بهذا وهدم له بيته وقريته وسجنه فعاش في ابتلاء دائم، وهكذا حال من أراد الحق وهداية العباد إلى عبادة رب العباد وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وهذا دليل على صدق طلبه الحق وحرصه عليه ودعوته الناس إليه، ورغم ذلك فقد واصل زياراته الناس والشيوخ ليحاورهم ويعلمهم وله في ذلك باع طويل وله مناظرات وحوارات كثيرة وفي مسائل عقدية مختلفة يشهد له كل من عرفه من موافق ومخالف.
رحلته الكتابية:
رغم كل المصاعب والظروف القاسية التي عاشها ولا يزال يعيشها سماحة السيد ومحاولة إغلاق كل السبل العلمية والدعوية والتغييرية أمامه إلا أنك تجده عازمًا على خدمة الدين الإسلامي الحنيف وعدم التوقف عن ذلك ولو للحظة واحدة وكأنه لا عقبة تعترضه في طريقه هذا طريق أجداده الأطهار عليهم السلام على الإطلاق، ولم يجعل المضايقات والمعوقات المفتعلة عائقًا أو مثبطًا أو ثانيًا له عن طريقه، فكتب كتابه الجامع للعقيدة الإسلامية والذي أسماه(هذه عقيدتنا عقيدة أهل السنة والجماعة)، ثم شرع وهو في الثلاثين من عمره في كتابة كتابه الجامع للفقه الإسلامي على مذهب أهل السنة والجماعة والذي أسماه(الجودي)، وقد أنعم الله تعالى عليه بالانتهاء منه وهو في منتصف العقد الرابع من عمره الشريف، وكذلك كتب الكثير من الكتب الأصولية والحديثية والعقدية والفكرية والوحدوية حتى استوعبت كتاباته على مذهب أهل السنة الكتابة في أكثر العلوم الإسلامية، فكانت دعمًا كبيرًا للمكتبة الإسلامية وثمرة من ثمرات هذا العصر العلمية الطيبة، ولقد كان دائم التركيز في كتاباته ومقالاته وبياناته الكثيرة والمتعددة على حث الناس على الوحدة وعدم الفرقة والتمزق والاقتتال لأن ذلك طريق الهزيمة والفشل وذهاب الريح، ولم تقتصر دعوته الوحدوية على دعوة الأحزاب السنية إلى التوحد بل تجاوزت ذلك إلى الدعوة إلى الوحدة الإسلامية بين السنة والشيعة على أساس القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد كتب في ذلك مشروعًا عظيمًا.
حقيقته وصفاته:
يمتاز سماحة السيد دامت بركاته بالرحمة والمحبة والعاطفة الجياشة والأحاسيس الصادقة والشعور الأبوي اتجاه كل الناس، يواجه الناس بوجه طليق مصطحبًا لابتسامة يشعر الجميع منها الحب والحنان العظيم الذي يكنه سماحة السيد للجميع، إذا تحدث أصغى له الجميع وإن حدثوه أصغى إليهم باهتمام كبير ورعاية كاملة، زاهد في الدنيا لا لعدم امتلاكه إياها أو أصبح زاهدًا فيها لأنه فاقد للأسباب التي توصله إليها فأصبح الزهد هو الخيار الوحيد له، بل زهد فيها مع تمكنه من امتلاكها ودليل ذلك أن الدنيا أقبلت عليه لتغره وتخدعه وهو جالس في بيته فأعرض عنها، أذكر قصة من القصص الكثيرة التي حدثنيها سماحته في ذلك: أنه عرض عليه مشايخ النجديين العمل معهم في الدعوة والتبليغ مقابل مال كثير، وفي ذلك الوقت لم يكن راتب الطبيب البارع الشهري الذي كان يعمل في أفضل المستشفيات يبلغ نصف الراتب الذي عرض عليه، وأيضًا قصة أخرى شهد له الجميع بمدى زهده في الدنيا هو ترك وظيفته من أجل الدين، التي تركها في وقت كان يتمنى الجميع هذه الوظيفة، ومواقف كثيرة تدل على زهده، يعبد الله سبحانه وتعالى حق عبادته فجزاه الله النبوغ والفطنة والذكاء والورع والإنصاف والعلم والوفاء والصراحة في الحق والإخلاص والشجاعة كان يقف في وجه الظالمين ولا يخاف أحدًا ويضحي بروحه من أجل الدين ومن أجل أن يصلح الناس، يشهد له الجميع صديق وعدو بعلمه وأدبه وأخلاقه، الصبر صديقه والعفو عن الظالمين عند المقدرة سمته، والشجاعة والتضحية في سبل الله حياته، والمظلومية زاده.
نبذة عن عمله:
عمل سماحة السيد بضع سنين مدرسًا بعد تخرجه من الجامعة في مدارس وكالة الغوث لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في مادة التربية الإسلامية واللغة العربية، ولكنه لم يكن يقبل بالمنهج الذي قعدته وزارة التربية والتعليم لكونه يحتوي على دروس تجهل الطلاب بالحق وتروج للباطل وتبعدهم عن ربهم، فقام بكتابة منهج دراسي، وبدأ يدرسه للطلاب ويستقطب المعلمين لتدريسه فلم تقبل بذلك وزارة التربية والتعليم، فنشر رسالة في بيان مساوئ المناهج التعليمية وكذلك السياسة التعليمية الممارسة في المدارس والمؤسسات التعليمية الرسمية، وقرر ترك التدريس لرفضهم رؤيته وتدريسه الحق وترك الباطل، ولما جاء قرار فصله من الوظيفة( والتي كانت مغرية من الناحية المادية) بناء على الرسالة التي نشرها باسمه كان سعيدًا بذلك وهذا ما يريده لأنه لا يريد أن يكون عنصرًا هدّامًا ومعلمًا أو مربيًا مفسدًا كبعض الشيوخ الذين باعوا أنفسهم لأعداء الله بثمن بخس دولارات معدودات.
انجازاته:
سماحة السيد الشيخ محمود جودة حفظه الله ورعاه وأيده وسدد خطاه وهدى العباد إلى مواساته ومحبته ومؤازرته في عمله العظيم ومشروعه الفريد غير المسبوق، حياته كلها تعبير عن إنجازاته العظيمة التي لا يكاد العقل يصدق بأنه فرد واحد قام بهذا كله من تأليف قرابة مائتي كتاب وتجديد للمذهبين السني والشيعي حتى يلتقيا بعد افتراق دام قرونًا من الزمان وتمخض عن آلاف من المآسي وأنهر من الدماء، وضياع للأمة وفشل وذهاب ريح وغثائية لهذه الأمة المنكوبة المظلومة، وحوارات مع جميع الديانات والمذاهب ومواقف سياسية واجتماعية ودعوية وتعليمية، وإلى غير ذلك من الإنجازات العظيمة التي لا نكاد نحصيها، ويكفيكم في معرفة ذلك أن تطلعوا على كتبه المنشورة في موقع سماحته بارك الله فيه وفيكم أجمعين.
مشروع الوحدة والوفاق بين المذهبين السني والشيعي:
عزم سماحة السيد دامت بركاته على كتابة منهج وقواعد وأسس ليسير عليها وتكون مرجعًا لكل إنسان يبتغي وحدة الأمة الإسلامية على أساس القرآن الكريم والسنة المطهرة، بحيث لا يستطيع إنسان الطعن في مشروع التوحيد بين المذهبين، فكتب كتابًا في علم الحديث وآخر في أصول الفقه و بأدلة سنية وشيعية متفق عليها لدى الجميع، وأعلن عنها لتكون نقطة انطلاق إكمال مشروعه الوحدوي بين السنة والشيعة، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وكانت الرد غير متوقع من شيوخ أهل السنة في غزة هاشم هداهم الله لما يحب ويرضى.
الرد على هذا المشروع الوحدوي:
بعد أن أعلن سماحته عن هذا المشروع العظيم الذي يتمناه كل طالب حق ويريد أن يذب عن هذا الدين قامت السلطة الحاكمة في غزة (حماس) بتفجير مسجده وبيته ومركزه وباقتحام بيته وسرقة كل ممتلكاته وسجنه وأولاده حتى أنهم تمادوا في هذا وهددوا بناته بأخذهن سبايا المرة القادمة بعد أن أخرجوهن من البيت ووضعهن في حرارة الشمس يوما طويلا بقوة السلاح وتعذيب السيد في السجن وإخراجه من السجن وفرض إقامة جبرية عليه، فعاش صابرًا وراضيًا بل وكان يدعو لهم بالهداية ولم يقبل من أحد أن يسيء إليهم أو يقابل السيئة بالسيئة، وإنما كان دائم الحرص على تربية أولاده وأتباعه على مقابلة السيئة بالحسنة، والدعاء لحماس بالخير بل وإنني سمعته أكثر من مرة في السر والعلن رغم أنه يتألم شديد التألم مما فعلته حماس به يقول: اللهم إني غفرت لحماس أخطاءها معي وإيذاءاتها لي فاغفر لهم واهدهم إلى العلم بحقيقة ما عندي من أمر عظيم خادم للدين واجعلهم عونًا لي في ذلك وألف بين قلوبنا، وكان الذي يراه بهذا الموقف يكاد يكذب ما رأته عيناه أو سمعته أذناه مما أوقعته به حماس من شديد الأذى والتنكيل، فهو موقف غير مسبوق في هذا الزمان أو عز وجوده في زمان الفتن التي كقطع الليل المظلم، ووجدته دائم القول: لم أقدم شيئًا مما قدمه الصالحون، وكان مسرورًا بهذا العمل وإن كان لا يتمناه لأنه أعطاه الدافع القوي والدليل على صدقه ونجاح عمله ومشروعه فعاد إلى العمل مرة أخرى مع أنه لم يكن لديه أي أداة للعمل ولا وسيلة ولكن بفضل الله تيسرت له الأسباب وعمل أفضل من قبل بكثير.
العمل ثانيًا:
بدأ بتوفيق الله سبحانه وتعالى بتحقيق الأحاديث الشيعية من المصادر الشيعية المعتبرة كلها حتى ميز الصحيح من الضعيف بناء على المباني والقواعد التي قعدها في كتبه في الأصول والرجال، ومن ثم كتب كتاب العقيدة الإسلامية على مذهب أهل البيت عليهم السلام وكتابًا جامعًا لمسائل الفقه وتفسير القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي كما جاء في الأحاديث النبوية والإمامية الثابتة الصحيحة المقبولة، هذا الكتاب أسماه(الجودي الثاني)، وردودًا على كل المذاهب والديانات الأخرى ولم يدع شيئًا من العلوم الإسلامية إلا وقد كتب فيه، ولكن للأسف بمجرد أن عاد السيد إلى العمل بإعلانه عن هذا الإنجاز في وليمة كبيرة قام بدعوة قيادات أطياف المجتمع الغزي إليها عاد الآخرون إلى التنكيل والتعذيب فضربوه وكسروه وسجنوه وطالبوه بالسكوت أو الرحيل من غزة وعدم الرجوع إليها وإن عاد فالقتل سيكون في انتظاره، فقابل ذلك بكل صبر وحلم وحكمة وأناة ولم يحدث ذلك منه أي ردة فعل سلبية أو غير منضبطة بضوابط الشريعة الإسلامية الغراء، وكان دائم القول: نحن دعاة وحدة لا دعاة افتراق، ودعاة تآلف وتحاب لا دعاة تنافر وتباغض، ودعاة عمل بما يرضي الله لا دعاة إعراض عن الذكر الحكيم، اللهم اغفر لحماس فإنهم لايعلمون حقائق الأمور واهدهم سواء السبيل وألف بين قلوبنا أجمعين، واجمعنا على كلمة سواء ولاتزد في عذابنا بتفرقنا وتنافرنا وانقسامنا إلى شيع وأحزاب متباغضة ومتدابرة ومتنازعة.
الإنتاج الفكري:
كما هو معلوم سماحة السيد دام الله ظله الشريف عاش حياته ولا يزال في التعلم والتعليم والبحث والتباحث والدراسة والتأليف، فأنتج الكثير من الكتب والمؤلفات في جميع العلوم الإسلامية، وكان الإنتاج الفكري على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى كانت في تأليف كتب على مذهب أهل السنة وتحقيق الأحاديث بناء على الأصول والقواعد والمباني المعتبرة لدى أهل السنة، وألف في هذه المرحلة كتبًا كثيرة وعلى رأسها كتاب الجودي الجامع للمسائل الفقهية وأيضا كتاب العقيدة الإسلامية، وترون هذه الكتب في موقعه المبارك إن شاء الله تعالى، أما المرحلة الثانية فهي طريق الوصول إلى مشروع الوحدة الذي يسعى فيه إلى وحدة صفوف المذاهب والفرق الإسلامية على أساس القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذه الكتب تشتمل على قواعد وأسس وحدوية على مذهب أهل البيت عليهم السلام ومذهب أهل السنة والجماعة، أما المرحلة الثالثة فهي كتابة كتاب الجودي الثاني على مذهب أهل البيت عليهم السلام الجامع للمسائل العقدية الإسلامية ومسائل الفقه والتاريخ الإسلامي وتفسير القرآن الكريم، وكتب كثيرة ترونها في موقعه المبارك إن شاء الله تعالى، ولا يزال سماحة السيد حفظه الله وأعانه يواصل المسير في طريق الدعوة والوحدة والتعلم والتعليم والبحث والتباحث والتأليف، ونسأل الله تعالى له التوفيق والنجاح وأن يجعلنا من خدامه وأن يحفظه خادمًا لدينه القيم إنه نعم المولى ونعم النصير.
وكتبها ابنه البار/ أبو جعفر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد الصادق الوعد الأمين وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد .
{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}
عندما نجد أصحاب الرأي والمكانة وذوي العلم , يتحدثون ويصفون ثمرة عصرهم وفلتة تاريخهم نجد هناك شيئًا جديدًا لا بد من الإطلاع عليه وذكر سيرته والتعريف به، من هذا محطة نهل العلم الديني والثقافي والأخلاقي والسياسي والأدبي الذي صنع جسرًا متينا محكمًا يسير بالناس إلى نزع الجاهلية والفرقة وزرع التوحيد والإنسانية، الذي يصل بهم إلى طريق مرضاة رب العباد الذي يتشوق كل طالب علم وكل عالم وكل إنسان النظر في حياة هذا العالم طبيب القلوب وحبيب كل روح.
هذا هو العالم الجليل سماحة السيد محمود بن عبد العزيز الذي ينتمي إلى العائلة العريقة المعروف عنها صاحبة علم وأدب وأخلاق وكرم وجود وعفو عن الظالمين، عائلة جودة التي ينتهي نسبها إلى آل بيت النبي الأطهار عليهم أزكى صلاة وسلام، هذه العائلة منتسبة إلى جدها جودة الذي قطن هو وأبناؤه وعقبه بلدة اسدود على الساحل الفلسطيني حتى هجروا منها عام 1948م إلى قطاع غزة وبلدان مختلفة ، وجودة ينتسب إلى آل هارون الذين يقطنون اللاذقية وقلعة المرقب بسورية ، وهذا الانتساب على النحو الذي سنذكره ثابت من قبل آل هارون بسورية وآل جودة بفلسطين ،وبذلك نقول إن انتساب جودة إلى آل هارون ثابت على النحو التالي : فهو جودة بن محمد بن علي بن سليمان بن علي بن مصطفى بن خورشيد بن عثمان بن عبد الرحمن بن هارون .
وآل هارون هم جزء من آل با هارون المنتسبين إلى آل الحسين بن الإمام علي رضي الله تعالى عنه، وتوثيق ذلك مذكور في كتابي المعجم اللطيف لأسباب الألقاب والكنى في النسب الشريف لقبائل وبطون السادة بني علوي . تأليف السيد محمد بن أحمد بن عمر الشاطري ، وكتاب شمس الظهيرة في نسب أهل البيت من بني علوي. تأليف السيد الشريف عبد الرحمن بن محمد بن حسين المشهور. تحقيق محمد ضياء شهاب .وانتساب هارون الذي هو جد آل با هارون إلى آل الحسين ثابت على النحو التالي فهو هارون بن حسن بن علي بن محمد جمل الليل بن حسن المعلم بن محمد أسد الله بن حسن الترابي بن علي بن محمد (الفقيه المقدم) بن علي بن محمد (صاحب مرباط) بن علي (خالع قسم) بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد (المهاجر) بن عيسى (النقيب) بن محمد بن علي (العريضي) بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وبذلك يكون اسم السيد محمود وإلى جده رسول الله صلى الله عليه وآله ثابت على النحو التالي: السيد/ محمود بن عبد العزيز بن يوسف بن عبد الرحيم بن يوسف بن عبد الرحمن بن محمد بن جودة بن محمد بن علي بن سليمان بن علي بن مصطفى بن خورشيد بن عثمان بن عبد الرحمن بن هارون بن حسن بن علي بن محمد جمل الليل بن حسن المعلم بن محمد أسد الله بن حسن الترابي بن علي بن محمد الفقيه المقدم بن علي بن محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر بن عيسى النقيب بن محمد بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي وابن فاطمة الزهراء ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولد سماحة السيد العالم العظيم محمود عبد العزيز جودة (حفظه الله ) في مدينة رفح في مخيم اسدود بتاريخ 1379هـ 1960 م والده السيد الحاج عبد العزيز جودة ذو منزلة رفيعة ومكانة عظيمة في مجتمعه صاحب أدب ودين زاهد في الدنيا ، وجده كان صاحب أدب وأخلاق عاشه حياته في الابتلاء الدائم من الله حيث أنه فقد أولاده وبناته وزوجته وفقد نعمة البصر وتزوج بعد ذلك من ابنة عمه أيضا عاشت مثله فقدت أولادها وزوجها، فتزوجا وأنجبا والد السيد محمود جودة (دامت بركاته) وعاش والده يتيما وتربى في حضن أمه حتى كبر وتزوج ابنة عمه العفيفة الطاهرة الكريمة (رحمها الله) الذي كان والدها متدينا وكبيرًا في عائلته وصاحب رأي ومشورة، فأنجبا الأولاد أصحاب المكان العالي وذوي علم ومكانة كبيرة ومن ثم أنجب سماحة السيد محمود جودة .
دراسته ونشأته:
نشأ سماحة السيد في بيت متدين محافظ تعلم الكتابة والقراءة في مدارس الوكالة التي كانت موجودة في ذلك الوقت في مدينة رفح و كان موضع إعجاب أساتذته وزملائه في الدراسة لشدة ذكائه ونبوغه وفطنته, وكان مهتما بالدراسة، ولم يقتصر في صغر سنه على دراسة المدرسة بل كان يذهب إلى المسجد حتى يحفظ القرآن ويتعلم التجويد حتى أن بلغ التاسعة من العمر فبدأ يقلد الخطيب ويقلد رجال الدين حتى كانت لديه رغبة تعلم الدين ليكون معلمًا راشدًا مظهرًا للدين، فقذف الله في قلبه وهداه إلى تعلم الدين فكان متفوقًا في دراسته والأول على مدرسته حتى أن وصل الثانوية العامة فبدأ يخطب في المساجد ويتعلم هو وبعض أصدقائه إلى أن وفقه الله وجعله يمتلك فن الخطابة فبدأ يخطب في الناس وبدأ الناس يستمعون إليه ويتعلمون منه مع صغر سنه لكن كان الجميع يشهد له بذكائه وحفظه وتعلمه لدين الله تعالى مع أنه في ذلك الوقت لم يكن التعلم تعلمًا بالشكل المطلوب كون الواقع الذي يعيش فيه كان قد انتشر فيه الجهل والفساد، وكانت ممارسة التجهيل قد أخذت مأخذها في بلده لوجود الاحتلال الإسرائيلي، وقبل انتهائه من دراسة الثانوية العامة رأى في منامه أن ملك الموت يقبض روحه، فلما وصل بها الحلقوم قال له السيد اتركني حتى أكتب كتابًا، أنا لا أريد أن أموت قبل أن أكتب كتابًا، فاستيقظ من النوم، ومن تلك اللحظة نمت عنده موهبة الدراسة أكثر والكتابة وحتى وصل إلى الدراسة الجامعية .
دراسته الجامعية ورحلته العلمية:
بعد أن من الله سبحانه وتعالى على سماحة السيد وجعل علاقته منذ الطفولة ونشأته دينية قرر أن يبدأ عملية الدراسة الدينية على يد الشيوخ الذين كان يتصور له بأنهم هم حملة الدين وأن لديهم العلم القويم ولديهم القدرة على نشر الدين هم مشايخ الحجاز فذهب إلى مكة ليتعلم الدين في جامعة أم القرى، فحينما رأى الدراسة الجامعية بهذا الشكل الذي لم يكن يتصوره وخلاف ما تخيله وسمع عنه، وجده واقعًا مريرًا ليس علميًّا وإنما فقط لمنح الشهادات من غير حرص على الدين وتعليمه، فكر في ترك الجامعة فلم يتمكن من ذلك فأكمل الدراسة الجامعية ولكن لم يعتمد على دراستها ومن شواهد ذلك أنه كان يقرأ المقررات الجامعية فقط ليلة الامتحان ومع ذلك كان الأول على دفعته ،وكان غير معتمد على دراسة الجامعة فبدأ بالدراسة الفردية والتعلم بعد أن ذهب ليبحث عمن يأخذ بيده ويعلمه فلم يجد من يحقق له رغبته ولكن بفضل الله ومنه عليه أراد له أن يكمل له رحلته التي أخلص لله فيها ففتح الله عليه وأنار طريقه وألهمه التعلم الصحيح السليم حتى ادخر كل مجهوده في تعلم الدين, وقد ألهمه الله قرار امتلاك أدوات الفهم التي توصله لفهم الدين فبدأ بدارسة اللغة نحوًا وصرفًا وبلاغة، ثم بأصول الفقه والحديث، ليصحح معتقده أولًا ثم ليشرع في فهم الدين بشكل كامل وسليم، ثم بدأ مرحلة البحث والكتابة فكتب أول كتاب له المسمى ب(المعالم) وهو طالب جامعي وقد خصصه لبيان التوحيد والعقيدة السليمة التي غيبت عن كثير من الناس, وكذلك لتوصيف الواقع الجاهلي الذي يعيشه الناس منذ سنوات طوال حتى يتمكنوا من التخلية والتحلية بشكل صحيح مقبول عند الله تعالى، ولقد كان تواقًا في ذلك الوقت إلى دراسة المذاهب الإسلامية الأخرى وعلى رأسها مذهب الإمامية الإثنا عشرية حتى يتمكن من الوصول إلى الحق بشكل لا يعتريه الشك والريب ومن ثم يتوجه إلى الناس بدعوتهم إليه وتقديمه لهم في أحسن لباس، ولكنه ولحكمة يعملها الله تعالى لم يتمكن من ذلك لعدم توفر الوسائل والكتب، ومن محاولاته في ذلك قيامه بعد أن أكمل دراسته في مكة بزيارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية حتى يطلع ويبحث ويكتب و قد هيأ نفسه لهذه الدراسة ولكنه لحكمة يعلمها الله قرر زيارة والديه ثم العودة ليكمل مشواره العلمي الكبير، وكان وهو في طريق زيارته ما كان فقد اعتقلته السلطات المصرية بعد أن نزل في مطار القاهرة بسبب زيارته لإيران وكذلك بسبب إلقائه خطبتين في السنة التي سبقت تخرجه حينما زار أهله وبيانه فيهما حال الناس وبعدهم عن الحق وموالاتهم الظالمين وأعوانهم، وبعد فترة من الاعتقال والتعذيب الذي يعاني من آثاره وآلامه الكثير وحتى هذه اللحظة أبعدته تلك السلطات إلى جزيرة مالطا ليعود بعدها إلى غزة المحتلة لتمنعه السلطات الإسرائيلية من السفر وكذلك السلطات المصرية من دخول مصر فمكث في الحجر والمنع من الخروج من غزة ثلاثين سنة حتى لا يتمكن من إكمال مشواره وكذلك حتى لا يسمع به أحد أو يعرفه أحد، لماذا لأنه يحمل فكرًا يوصل إلى الحق إلى توحيد الدين والأمة الإسلامية.
زواجه:
تزوج سماحة السيد من امرأة متدينة ومن بيت معروف بأدبه وأخلاقه وتدينه وبعد أن تزوجها عاد إلى دراسته ومعه زوجته لتبدأ دراستها الشرعية في جامعة أم القرى، ومن ثم رزقه الله تعالى تسعة أشبال وإحدى عشرة زهرة ، ورزقه الله أربعة عشر سبطًا وحفيدين.
وبعد أن انتهى من دراسته الجامعية هو وزوجته أراد الرجوع إلى أرضه ليزور أهله والرجوع لزيارة الدول الأخرى حيث أنه يبحث عن كتب وشيوخ ليتعرف على المذاهب والفرق الإسلامية أكثر حتى يشرع في صياغة وتنفيذ مشروعه التوفيقي الوحدوي.
وصوله إلى غزة.
بعد أن وصل سماحة السيد إلى بلده وجد الترحاب والحب له ووجد عشيرة شعبًا وقومًا يكنون له كل احترام، فبدأ سماحته بممارسة دعوته إلى الحق والصدع به من خلال الخطابة في أكبر مسجد في مدينته (رفح)، (مسجد العودة)، والكتابة واللقاءات المتواصلة والمحاضرات والندوات العلمية وغير ذلك متحديًا كل الضغوطات التي مورست عليه من كل الأجهزة الأمنية المتعاقبة على قطاع غزة، وصابرًا على كل إيذاءاتها من سجن وضرب وتعذيب وتكسير عظام ومحاولات اغتيال وسلب أموال ومحاربة في الرزق ومنع من السفر والتحرك وغير ذلك. فكان حقيقة الرجل الشجاع الصلب الصبور الحليم الثابت الراسخ الذي لا يتزعزع ولا ينثني أمام كل التحديات والفتن كالجبل الأشم، المجسد بسلوكه هذا سيرة آبائه وأجداده أئمة الهدى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين الذين عاشوا لهذا الدين وأحياه الله بهم.
عمله الدعوي:
عاش سماحة السيد في غزة تحت الاحتلال الصهيوني الغاشم الذي لا يحب الإسلام و أهله، هذا الاحتلال لما أيقن أن هذا السيد وهذا الشيخ ذو علم ومكانة وأنه ضد الظلم والجور وضد العنف والفرقة وأنه صاحب مشروع كشف الظالمين ومخططاتهم والعمل على توعية الناس وتثقيفهم وزرع الإيمان بالله وتوحيده في نفوسهم، شرع في التضييق عليه ومحاربته بمنعه من دخول المساجد والحديث فيها تارة، وبضربه وتكسيره على مرأى ومسمع من الناس أخرى، وبسجنه بدون محاكمة ثالثة، وبمنعه من السفر رابعة، وبتحريض العملاء عليه ليؤذوه أو يقتلوه خامسة، وبالتضييق عليه في الرزق سادسة، ....وهكذا، ولكن رغم هذه المضايقات وهذه الإيذاءات والعذابات لم يلتزم بكلامهم ولابأوامرهم وتهديداتهم وعقوباتهم ولم تثنه كل هذه التفاهات عن خطه ومسيرته التي بدأها عازمًا على الثبات عليها وعدم تركها إلا بمفارقة روحه جسده بإذن الله تعالى، ورغم قسوة الظروف المحيطة به فقد واصل مسيرة التعلم والبحث ليمتلك أدوات الاجتهاد إلى أن منَّ الله سبحانه عليه بها وقد كتب فيها وأبدع ما جعل كل مطلع على كتاباته هذه يلمس بصماته وإبداعاته فيها، ثم إنه أسس (جماعة المسلمين) التي تميزت عن غيرها من الجماعات بأشياء من أهمها: موقفها الواضح الصريح من طواغيت الأرض وأوليائهم، وبيانها الواضح للعقيدة الإسلامية عقيدة التوحيد، واهتمامها بالدليل وإنصاف صاحبه حتى لو كان من المخالفين. فبدأ الناس يلتفون حوله وبرز فيهم وصار شيخهم وأصبح مرجعًا يرجع إليه الناس في أمورهم الدينية ولكن الاحتلال لم يتركه فبدأ يضيق عليه حتى إنه أرسل أعوانه وحرض المجتمع عليه فهدموا له بيته وحرقوا مكتبته التي كانت تحوي عددًا كبيرًا من الكتب الإسلامية والثقافية وغيرها، ولم يتوقف الاحتلال حتى سجنه وعذبه وكسر عظامه مرات عديدة، ونجح الاحتلال من خلال أعوانه الكثر في تحريض الناس عليه وصد الكثير منهم عن سماحته وتجنيدهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون لمعاداته، فقرر سماحة السيد إلى أن يعمل قرية صغيرة له ولأتباعه ومحبيه، ومدرسة يعلم فيها المنهج الصحيح ولكن الاحتلال لم يقبل بهذا وهدم له بيته وقريته وسجنه فعاش في ابتلاء دائم، وهكذا حال من أراد الحق وهداية العباد إلى عبادة رب العباد وإخراجهم من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وهذا دليل على صدق طلبه الحق وحرصه عليه ودعوته الناس إليه، ورغم ذلك فقد واصل زياراته الناس والشيوخ ليحاورهم ويعلمهم وله في ذلك باع طويل وله مناظرات وحوارات كثيرة وفي مسائل عقدية مختلفة يشهد له كل من عرفه من موافق ومخالف.
رحلته الكتابية:
رغم كل المصاعب والظروف القاسية التي عاشها ولا يزال يعيشها سماحة السيد ومحاولة إغلاق كل السبل العلمية والدعوية والتغييرية أمامه إلا أنك تجده عازمًا على خدمة الدين الإسلامي الحنيف وعدم التوقف عن ذلك ولو للحظة واحدة وكأنه لا عقبة تعترضه في طريقه هذا طريق أجداده الأطهار عليهم السلام على الإطلاق، ولم يجعل المضايقات والمعوقات المفتعلة عائقًا أو مثبطًا أو ثانيًا له عن طريقه، فكتب كتابه الجامع للعقيدة الإسلامية والذي أسماه(هذه عقيدتنا عقيدة أهل السنة والجماعة)، ثم شرع وهو في الثلاثين من عمره في كتابة كتابه الجامع للفقه الإسلامي على مذهب أهل السنة والجماعة والذي أسماه(الجودي)، وقد أنعم الله تعالى عليه بالانتهاء منه وهو في منتصف العقد الرابع من عمره الشريف، وكذلك كتب الكثير من الكتب الأصولية والحديثية والعقدية والفكرية والوحدوية حتى استوعبت كتاباته على مذهب أهل السنة الكتابة في أكثر العلوم الإسلامية، فكانت دعمًا كبيرًا للمكتبة الإسلامية وثمرة من ثمرات هذا العصر العلمية الطيبة، ولقد كان دائم التركيز في كتاباته ومقالاته وبياناته الكثيرة والمتعددة على حث الناس على الوحدة وعدم الفرقة والتمزق والاقتتال لأن ذلك طريق الهزيمة والفشل وذهاب الريح، ولم تقتصر دعوته الوحدوية على دعوة الأحزاب السنية إلى التوحد بل تجاوزت ذلك إلى الدعوة إلى الوحدة الإسلامية بين السنة والشيعة على أساس القرآن الكريم والسنة المطهرة، وقد كتب في ذلك مشروعًا عظيمًا.
حقيقته وصفاته:
يمتاز سماحة السيد دامت بركاته بالرحمة والمحبة والعاطفة الجياشة والأحاسيس الصادقة والشعور الأبوي اتجاه كل الناس، يواجه الناس بوجه طليق مصطحبًا لابتسامة يشعر الجميع منها الحب والحنان العظيم الذي يكنه سماحة السيد للجميع، إذا تحدث أصغى له الجميع وإن حدثوه أصغى إليهم باهتمام كبير ورعاية كاملة، زاهد في الدنيا لا لعدم امتلاكه إياها أو أصبح زاهدًا فيها لأنه فاقد للأسباب التي توصله إليها فأصبح الزهد هو الخيار الوحيد له، بل زهد فيها مع تمكنه من امتلاكها ودليل ذلك أن الدنيا أقبلت عليه لتغره وتخدعه وهو جالس في بيته فأعرض عنها، أذكر قصة من القصص الكثيرة التي حدثنيها سماحته في ذلك: أنه عرض عليه مشايخ النجديين العمل معهم في الدعوة والتبليغ مقابل مال كثير، وفي ذلك الوقت لم يكن راتب الطبيب البارع الشهري الذي كان يعمل في أفضل المستشفيات يبلغ نصف الراتب الذي عرض عليه، وأيضًا قصة أخرى شهد له الجميع بمدى زهده في الدنيا هو ترك وظيفته من أجل الدين، التي تركها في وقت كان يتمنى الجميع هذه الوظيفة، ومواقف كثيرة تدل على زهده، يعبد الله سبحانه وتعالى حق عبادته فجزاه الله النبوغ والفطنة والذكاء والورع والإنصاف والعلم والوفاء والصراحة في الحق والإخلاص والشجاعة كان يقف في وجه الظالمين ولا يخاف أحدًا ويضحي بروحه من أجل الدين ومن أجل أن يصلح الناس، يشهد له الجميع صديق وعدو بعلمه وأدبه وأخلاقه، الصبر صديقه والعفو عن الظالمين عند المقدرة سمته، والشجاعة والتضحية في سبل الله حياته، والمظلومية زاده.
نبذة عن عمله:
عمل سماحة السيد بضع سنين مدرسًا بعد تخرجه من الجامعة في مدارس وكالة الغوث لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في مادة التربية الإسلامية واللغة العربية، ولكنه لم يكن يقبل بالمنهج الذي قعدته وزارة التربية والتعليم لكونه يحتوي على دروس تجهل الطلاب بالحق وتروج للباطل وتبعدهم عن ربهم، فقام بكتابة منهج دراسي، وبدأ يدرسه للطلاب ويستقطب المعلمين لتدريسه فلم تقبل بذلك وزارة التربية والتعليم، فنشر رسالة في بيان مساوئ المناهج التعليمية وكذلك السياسة التعليمية الممارسة في المدارس والمؤسسات التعليمية الرسمية، وقرر ترك التدريس لرفضهم رؤيته وتدريسه الحق وترك الباطل، ولما جاء قرار فصله من الوظيفة( والتي كانت مغرية من الناحية المادية) بناء على الرسالة التي نشرها باسمه كان سعيدًا بذلك وهذا ما يريده لأنه لا يريد أن يكون عنصرًا هدّامًا ومعلمًا أو مربيًا مفسدًا كبعض الشيوخ الذين باعوا أنفسهم لأعداء الله بثمن بخس دولارات معدودات.
انجازاته:
سماحة السيد الشيخ محمود جودة حفظه الله ورعاه وأيده وسدد خطاه وهدى العباد إلى مواساته ومحبته ومؤازرته في عمله العظيم ومشروعه الفريد غير المسبوق، حياته كلها تعبير عن إنجازاته العظيمة التي لا يكاد العقل يصدق بأنه فرد واحد قام بهذا كله من تأليف قرابة مائتي كتاب وتجديد للمذهبين السني والشيعي حتى يلتقيا بعد افتراق دام قرونًا من الزمان وتمخض عن آلاف من المآسي وأنهر من الدماء، وضياع للأمة وفشل وذهاب ريح وغثائية لهذه الأمة المنكوبة المظلومة، وحوارات مع جميع الديانات والمذاهب ومواقف سياسية واجتماعية ودعوية وتعليمية، وإلى غير ذلك من الإنجازات العظيمة التي لا نكاد نحصيها، ويكفيكم في معرفة ذلك أن تطلعوا على كتبه المنشورة في موقع سماحته بارك الله فيه وفيكم أجمعين.
مشروع الوحدة والوفاق بين المذهبين السني والشيعي:
عزم سماحة السيد دامت بركاته على كتابة منهج وقواعد وأسس ليسير عليها وتكون مرجعًا لكل إنسان يبتغي وحدة الأمة الإسلامية على أساس القرآن الكريم والسنة المطهرة، بحيث لا يستطيع إنسان الطعن في مشروع التوحيد بين المذهبين، فكتب كتابًا في علم الحديث وآخر في أصول الفقه و بأدلة سنية وشيعية متفق عليها لدى الجميع، وأعلن عنها لتكون نقطة انطلاق إكمال مشروعه الوحدوي بين السنة والشيعة، ولكن جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، وكانت الرد غير متوقع من شيوخ أهل السنة في غزة هاشم هداهم الله لما يحب ويرضى.
الرد على هذا المشروع الوحدوي:
بعد أن أعلن سماحته عن هذا المشروع العظيم الذي يتمناه كل طالب حق ويريد أن يذب عن هذا الدين قامت السلطة الحاكمة في غزة (حماس) بتفجير مسجده وبيته ومركزه وباقتحام بيته وسرقة كل ممتلكاته وسجنه وأولاده حتى أنهم تمادوا في هذا وهددوا بناته بأخذهن سبايا المرة القادمة بعد أن أخرجوهن من البيت ووضعهن في حرارة الشمس يوما طويلا بقوة السلاح وتعذيب السيد في السجن وإخراجه من السجن وفرض إقامة جبرية عليه، فعاش صابرًا وراضيًا بل وكان يدعو لهم بالهداية ولم يقبل من أحد أن يسيء إليهم أو يقابل السيئة بالسيئة، وإنما كان دائم الحرص على تربية أولاده وأتباعه على مقابلة السيئة بالحسنة، والدعاء لحماس بالخير بل وإنني سمعته أكثر من مرة في السر والعلن رغم أنه يتألم شديد التألم مما فعلته حماس به يقول: اللهم إني غفرت لحماس أخطاءها معي وإيذاءاتها لي فاغفر لهم واهدهم إلى العلم بحقيقة ما عندي من أمر عظيم خادم للدين واجعلهم عونًا لي في ذلك وألف بين قلوبنا، وكان الذي يراه بهذا الموقف يكاد يكذب ما رأته عيناه أو سمعته أذناه مما أوقعته به حماس من شديد الأذى والتنكيل، فهو موقف غير مسبوق في هذا الزمان أو عز وجوده في زمان الفتن التي كقطع الليل المظلم، ووجدته دائم القول: لم أقدم شيئًا مما قدمه الصالحون، وكان مسرورًا بهذا العمل وإن كان لا يتمناه لأنه أعطاه الدافع القوي والدليل على صدقه ونجاح عمله ومشروعه فعاد إلى العمل مرة أخرى مع أنه لم يكن لديه أي أداة للعمل ولا وسيلة ولكن بفضل الله تيسرت له الأسباب وعمل أفضل من قبل بكثير.
العمل ثانيًا:
بدأ بتوفيق الله سبحانه وتعالى بتحقيق الأحاديث الشيعية من المصادر الشيعية المعتبرة كلها حتى ميز الصحيح من الضعيف بناء على المباني والقواعد التي قعدها في كتبه في الأصول والرجال، ومن ثم كتب كتاب العقيدة الإسلامية على مذهب أهل البيت عليهم السلام وكتابًا جامعًا لمسائل الفقه وتفسير القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي كما جاء في الأحاديث النبوية والإمامية الثابتة الصحيحة المقبولة، هذا الكتاب أسماه(الجودي الثاني)، وردودًا على كل المذاهب والديانات الأخرى ولم يدع شيئًا من العلوم الإسلامية إلا وقد كتب فيه، ولكن للأسف بمجرد أن عاد السيد إلى العمل بإعلانه عن هذا الإنجاز في وليمة كبيرة قام بدعوة قيادات أطياف المجتمع الغزي إليها عاد الآخرون إلى التنكيل والتعذيب فضربوه وكسروه وسجنوه وطالبوه بالسكوت أو الرحيل من غزة وعدم الرجوع إليها وإن عاد فالقتل سيكون في انتظاره، فقابل ذلك بكل صبر وحلم وحكمة وأناة ولم يحدث ذلك منه أي ردة فعل سلبية أو غير منضبطة بضوابط الشريعة الإسلامية الغراء، وكان دائم القول: نحن دعاة وحدة لا دعاة افتراق، ودعاة تآلف وتحاب لا دعاة تنافر وتباغض، ودعاة عمل بما يرضي الله لا دعاة إعراض عن الذكر الحكيم، اللهم اغفر لحماس فإنهم لايعلمون حقائق الأمور واهدهم سواء السبيل وألف بين قلوبنا أجمعين، واجمعنا على كلمة سواء ولاتزد في عذابنا بتفرقنا وتنافرنا وانقسامنا إلى شيع وأحزاب متباغضة ومتدابرة ومتنازعة.
الإنتاج الفكري:
كما هو معلوم سماحة السيد دام الله ظله الشريف عاش حياته ولا يزال في التعلم والتعليم والبحث والتباحث والدراسة والتأليف، فأنتج الكثير من الكتب والمؤلفات في جميع العلوم الإسلامية، وكان الإنتاج الفكري على ثلاث مراحل، المرحلة الأولى كانت في تأليف كتب على مذهب أهل السنة وتحقيق الأحاديث بناء على الأصول والقواعد والمباني المعتبرة لدى أهل السنة، وألف في هذه المرحلة كتبًا كثيرة وعلى رأسها كتاب الجودي الجامع للمسائل الفقهية وأيضا كتاب العقيدة الإسلامية، وترون هذه الكتب في موقعه المبارك إن شاء الله تعالى، أما المرحلة الثانية فهي طريق الوصول إلى مشروع الوحدة الذي يسعى فيه إلى وحدة صفوف المذاهب والفرق الإسلامية على أساس القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذه الكتب تشتمل على قواعد وأسس وحدوية على مذهب أهل البيت عليهم السلام ومذهب أهل السنة والجماعة، أما المرحلة الثالثة فهي كتابة كتاب الجودي الثاني على مذهب أهل البيت عليهم السلام الجامع للمسائل العقدية الإسلامية ومسائل الفقه والتاريخ الإسلامي وتفسير القرآن الكريم، وكتب كثيرة ترونها في موقعه المبارك إن شاء الله تعالى، ولا يزال سماحة السيد حفظه الله وأعانه يواصل المسير في طريق الدعوة والوحدة والتعلم والتعليم والبحث والتباحث والتأليف، ونسأل الله تعالى له التوفيق والنجاح وأن يجعلنا من خدامه وأن يحفظه خادمًا لدينه القيم إنه نعم المولى ونعم النصير.




